عبد الكريم الخطيب
89
التفسير القرآنى للقرآن
فهذه كلمات علوية سماوية من ربّ العزة ، جاءتهم على لسان نبي كريم : « وَقُولُوا حِطَّةٌ » . ومع هذا فقد سوّلت لهم أنفسهم الخبيثة أن يغيّروا ويبدلوا من صور هذه الكلمات ، لا لشئ إلا لإرضاء نزعة العناد الصبيانى فيهم ، وإشباع غريزة التخريب الطّفلى عندهم . . « فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ » إنهم لم يستطيعوا أن يحملوا أمانة الكلمة ، فكيف بأمانة العمل ؟ ولهذا كانت الصفة الغالبة عليهم : نقض المواثيق ، والتحلل من العهود والعقود . . وكان ذلك هو الوصف الملازم لهم في القرآن الكريم : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » ( 12 المائدة ) « يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ، وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ » : ( 27 : البقرة ) . وقوله تعالى : « وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ، كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ » . تلك آية من آيات اللّه البينة ، ونعمة من نعمه الجليلة ، على هؤلاء القوم الشاردين عن موارد الحق والهدى . . تتحرق أكبادهم عطشا في هجير الصحراء ، فتطلع عليهم رحمة اللّه ، فيما يتلقى موسى من أمر ربه : « اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ » فيتدفق الماء عذبا زلالا ، من اثنتي عشرة عينا ، بعدد قبائلهم . وانظر كيف أبت عليهم نفوسهم المتبلدة الضيقة أن تتآلف جماعاتهم في وجه تلك المحن التي يلاقونها في هذا التّيه ، فتعيش كل جماعة منهم في محيطها . . اثنتي عشرة جماعة ! !